فؤاد سزگين

147

تاريخ التراث العربي

الحالات كل أسماء الرواة ، وكان يقول على سبيل المثال : « قال ابن عباس » ثم يأتي بالنص . ويطلق على هذا العمل في مصطلح الحديث اسم « التعليق » . ولا نستطيع هنا أن نفصل القول في الجامع الصحيح للبخاري « 260 » . ولكنه ربما يبدو من هذه الإشارات نفسها في وضوح بما فيه الكفاية ، أن الاسناد لم يبلغ أكمل تطور له عند البخاري . لقد حاولنا حتى الآن أن نثبت عن طريق معلومات وعبارات وصفية مختلفة في كتب علم مصطلح الحديث أن الأسانيد لا تشير بحال من الأحوال إلى مرويات شفوية ، بل تذكر مؤلفي الكتب ورواتها الثقات بأسمائهم . ولدينا اليوم إمكانيات كثيرة لإثبات صحة هذا الرأي في ضوء المصادر المبكرة التي وصلت إلينا فيمكن أن نثبت مثلا أن الطبري عندما يذكر في تاريخه الإسناد التالي : « حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلامة ، قال : حدثنا ابن إسحاق » كان يقتبس دائما اقتباسا حرفيا من كتاب المغازي لمحمد بن إسحاق . وعندما يذكر الطبري في تفسيره للقرآن : « حدثنا محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم النبيل ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد كان يقتبس من تفسير القرآن الذي وصل إلينا / من تأليف مجاهد . ونستطيع أن نثبت اعتمادا على الأسانيد ما نقلته الكتب الفقهية المتأخرة عن موطأ مالك على وجه التقريب ويمكن أن نثبت في المجال الأدبي أن كتاب الأغانى يقتبس مثلا عن طريق الإسناد : « أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب فيما كتب إليه عن محمد بن سلام » ، أو : « أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام » ، من طبقات الشعراء للجمحى عن طريق الإسناد : « علي بن سليمان ومحمد بن العباس اليزيدي عن السكرى عن ابن حبيب « 261 » » من النقائض لأبى عبيدة ، وعن طريق الإسناد : حدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد اللّه بن مسلم » ، من كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة . ونستطيع بدراسة مقارنة لأقدم كتب الحديث التي وصلت إلينا بمجموعات الحديث المتأخرة أن نتأكد من كون الأسانيد تشير إلى اقتباسات من مؤلفات مدونة ، ويمكن أن نثبت - فوق هذا وذاك - أن ترتيب المواد والتبويب في الكتب المتأخرة يرجع في معظمه إلى الكتب المبكرة التي اقتبس منها .

--> ( 260 ) انظر سزكين في كتابه عن مصادر البخاري . Sezgin , Buh . Kayn 83 - 107 . ( 261 ) انظر مثلا : كتاب الأغانى ( دار الكتب ) 11 / 124 ، 15 / 341 .